عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

262

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

نعم ، ولم يوقفه بشرط ، بل أطلق بتصريح دخول الجنة بذلك العمل فقط ، ومن حصل في الجنة فقد فاز بأوّل درجة من درجات القرب ، قال اللّه تعالى : فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ « 1 » فالمسلمون على الصراط المستقيم وهو الطريق الموصل إلى السعادة من غير مشقة والموحدون من المسلمين ، أعني أهل حقيقة التوحيد على صراط اللّه ، وهذا الصراط أخصّ وأفضل من الأول ، فإنه عبارة عن تنوّعات تجليات الحق تعالى لنفسه بنفسه ؛ والصراط المستقيم عبارة عن الطريق إلى الكشف عن ذلك ؛ فالمسلمون أهل التوحيد ، والعارفون أهل حقيقة وتوحيد ، وما عدا هؤلاء فكلهم مشركون ، سواء فيه جميع الملل التسع الذين ذكرناهم ، فلا موحد إلا المسلمون . ثم إن اللّه تعالى تعبد المسلمين من حيث اسمه الربّ ، فهم مقتدون بأوامره ونواهيه ، لأن أوّل آية أنزلها اللّه تعالى على نبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلم : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ « 2 » قرن الأمر بالربوبية لأنها محله ، ولذلك افترضت عليهم العبادات ، لأن المربوب يلزمه عبادة ربه ، فجميع عوامّ المسلمين عابدون للّه تعالى من حيث اسمه الربّ لا يمكنهم أن يعبدوه من غير ذلك ، بخلاف العارفين فإنهم يعبدونه من حيث اسمه الرحمن لتجلي وجوده الساري في جميع الموجودات عليهم فهم ملاحظون للرحمن ، فهم يعبدونه من حيث المرتبة الرحمانية ، بخلاف المحققين فإن عبادتهم له سبحانه وتعالى من حيث اسمه اللّه لثنائهم عليه بما يستحقه من الأسماء والصفات التي اتصفوا بها ، لأن حقيقة الثناء أن تتصف بما وصفته به من الاسم أو الصفة التي أثنيت عليه وحمدته بها ، فهم عباد اللّه المحققون ، والعارفون عباد الرحمن ، وعامة المسلمين عباد الرب ؛ فمقام المحققين الحمد للّه ، ومقام العارفين الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ، لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى ومقام عامة المسلمين رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ، رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ « 3 » وأعني بعامة المسلمين جميع من دون العارفين من الشهداء والصالحين والعلماء والعاملين ، فإنهم عوام بنسبتهم إلى أهل القرب الإلهي ، وهم المحققون الذين بنى اللّه أساس هذا الوجود عليهم ، وأدار أفلاك العوالم على أنفاسهم ، فهم محل نظر الحق من العوالم ، بل هم محل اللّه من الوجود

--> ( 1 ) آية ( 185 ) سورة آل عمران . ( 2 ) آية ( 1 ) سورة العلق . ( 3 ) آية ( 193 ) سورة آل عمران .